الجاحظ
18
البخلاء
عاندوا الحق ، وخالفوا الأمم « 1 » ؟ وما هذا التركيب المتضاد ، والمزاج المتنافي ؟ وما هذا الغباء الشديد الذي إلى جنبه فطنة عجيبة ؟ وما هذا السبب الذي خفي به الجليل الواضح ، وأدرك به الجليل الغامض ؟ ! وقلت : وليس عجبي ممن خلع عذاره في البخل ، وأبدى صفحته للذمّ ، ولم يرض من القول إلا بمقارعة الخصم ، ولا من الإحتجاج إلا بما رسم في الكتب ؛ ولا عجبي من مغلوب على عقله ، مسخّر لإظهار عيبه ، كعجبي ممن قد فطن لبخله ، وعرف إفراط شحّه ، وهو في ذلك يجاهد نفسه ، ويغالب طبعه ، ولربما ظن أن قد فطن له ، وعرف ما عنده ، فموّه شيئا لا يقبل التمويه ، ورقع خرقا لا يقبل الرقع . فلو أنه كما فطن لعيبه ، وفطن لمن فطن لعيبه ، فطن لضعفه عن علاج نفسه ، وعن تقويم أخلاقه ، وعن استرجاع ما سلف من عاداته ، وعن قلبه أخلاقه المدخولة « 2 » إلى أن تعود سليمة ، لترك تكلَّف ما لا يستطيعه ، ولربح الإنفاق على من يذمّه ، ولما وضع على نفسه الرقباء ، ولا أحضر مائدته الشعراء ، ولا خالط برد « 3 » الآفاق ، ولا لابس الموكلين بالأخبار ، ولاستراح من كدّ الكلفة ، ودخل في غمار الأمة . وبعد ، فما باله يفطن لعيوب الناس إذا أطعموه ، ولا يفطن لعيب نفسه إذا أطعمهم ؟ وإن كان عيبه مكشوفا ، وعيب من أطعمه مستورا ؟ ولم سخت نفس أحدهم بالكثير من التبر « 4 » ، وشحّت بالقليل من الطعم ؟ وقد علم أن الذي منع يسير في جنب ما بذل ، وأنه ، لو شاء أن
--> « 1 » الأمم : الغالية والقصد . « 2 » أخلاقة المدخولة : الأخلاق التي أفسدت لأسباب طارئة « 3 » برد : مفردها بريد ، من يوكّل بالأخبار والانباء . « 4 » التبر : الذهب .